السيد عبد الأعلى السبزواري
224
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، الواردات القلبيّة ، التي ترد على قلوب أوليائه تعالى ، فيكون المراد بالإخفاء عدم إذنه تعالى في إنشائه وإظهاره كجملة من أسرار القضاء والقدر ، والمراد من الإبداء إذنه في ذلك ، فإن اللّه سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه ، قال عزّ شأنه : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ سورة الأنفال ، الآية : 24 ] ، فتكون جميع تلك الخاطرات والواردات مورد علمه ومشيئته وإرادته بنحو الاقتضاء لا بنحو العلّيّة التامّة حتّى يلزم المحذور من الجبر وأمثاله ، فإن قلوب الأولياء من أجلّ مشارق أنوار الغيب ، وفي القدسيات : « لا تسعني أرضي ولا سمائي ، بل يسعني قلب عبدي المؤمن » ، لأنّ إيمان المؤمن باللّه تعالى يجعل قلبه متّصلا بما لا يتناهى له من كلّ جهة ، فيخرق حجب الإمكان إلى أن يصل إلى مرتبة لا يمكن تحديدها . وفي الحديث سأل موسى عليه السّلام ربّه فقال : « أين أجدك يا رب ؟ فقال تعالى : إني عند القلوب المنكسرة » ، أي كسرها حبّ اللّه جلّ جلاله ، وجبرها تجلّي المحبوب فيها ، فكسرت الهيبة الإيمانيّة جميع الحجب الظلمانيّة ، بل الجهات الإمكانيّة ، فاتصلت إلى معدن النور ومنبع الخير والسرور ، فاستعدّت للإشراق فأشرقت عليها المعارف الحقّة والعلوم الغيبيّة ، ممّا لا يعقل تحديدها بالكلام ولا يمكن تحصيلها بالجهد والإلمام ، وهو على كلّ شيء قدير . وللكلام تتمة تأتي في الآيات المناسبة إن شاء اللّه تعالى ، فحينئذ الآية المباركة تختصّ بالمؤمنين الّذين لهم الدرجات العليا في الإيمان . الثالث : أن محبّته تعالى لخلقه إن كانت من المحبّة التكوينيّة فهي من صفات الذات الأقدس ، لرجوعها إلى العلم والحكمة ، وهما عين الذات ، ولا يعقل فيها الاشتداد والتضعّف ، وإن كانت من المحبّة الفعليّة فهي من صفات الفعل ، لرجوعها إلى الرضا والتوفيق والتسديد ، وكلّ ذلك من صفات الفعل ، ولا يعقل أن تكون في مرتبة الذات لقابليتها للتغيّر والتبديل . وهذه المحبّة الاختياريّة من العبد للّه عزّ وجلّ هي موضوع السير والسلوك والوصول إلى مقامات العارفين ، وبعضهم سمّى أهل هذا السير والسلوك ب : القافلة